نخبة من الأكاديميين
162
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
الرسميّون إلى الممالك البعيدة . . . يتشكلون من المسلمين والمسيحيّين الأندلسيّين على السواء . وهؤلاء برزوا وبرعوا في ظل الإطار الشرعي ( القانوني ) والفكري للمالكيّة . رابعا " : شكّلت المالكيّة أيضا " هيكَل النظام التعليمي الذي ازدهَر في الأندلس . إذ طوّر اليهود والمسيحيون مؤسّساتهم التعليميّة الخاصّة لأنّ الدين كان المُكوّن الرئيسيّ في النظام التعليمي ، فكانت كل طائفة تملك الحريّة في تطوير نظامها التعليمي الخاص ، بينما تتشارك كل الطوائف المواد التعليميّة غير الدينيّة مثل اللغة والأدب والفلسفة والرياضيّات . وهكذا نجد أنّه في سياق الثقافة الأندلسيّة كان المفكرون البارزون بين العُلماء الأندلسيّين ينتمون إلى أديان مختلفة لا تقتَصر على المسلمين وحدهم ، بل تشمل المسيحيّين واليهود أيضا " . وكان هذا صحيحا " بصورة خاصّة خلال القرن الحادي عشَر عندما فتح ملوك الطوائف بلاطاتهم لعُلماء من خلفيّات مختلفة ، مفسحين في المجال أمام مُشاركة الإداريّين من المستعربين في إدارة ممالكهم ، كما كانت الحال في إشبيليا مثلا " ، كما خدم وزراء يهود في بلاطات الطوائف في غرناطة . كذلك تخطّى الزواج المُختلَط حدود الأديان مُسهِما " إلى حدّ ما في تعزيز التعايُش في الأندلس كما سبق ونوّهنا . في السياق نفسه ، نشير إلى أنّه من المهم فَهْم النسق العام للفكر والثقافة الأندلسيّين وكيف أسهم الشعب والحُكّام معا " في خَلْق مجتمع فريد تعايَشَت الأديان الثلاثة في إطاره فشكلوا بذلك نموذجا " فريدا " فشلت الأجيال اللاحقة في اتّباعه . لقد كانت الأندلس بحق أرض المساجد والكنائس والمعابد اليهوديّة . ففي مدن مثل طليطلة ، العاصمة القديمة لدولة القوط ، وإشبيليا وقرطبة ، لبّت المساجد والكنائس والمعابد اليهوديّة حاجات المؤمنين على اختلاف أديانهم . فقد كانت الأندلس أرض المسلمين والمسيحيّين واليهود ، ولم يمنع كون الأكثريّة مسلمة الأقليات من الازدهار والإسهام في نهضة الثقافة الأندلسيّة . إلّا أنّ هذه الحال يجب ألّا يُنظَر إليها في شكل مجرّد ومطلق . فالنزاع بين المسلمين وبين أفراد من الطوائف الأخرى بلَغ أحيانا " أبعادا " دراميّة ، فهم جميعا " في النهاية بشر . كذلك وقعت نزاعات مُماثلة داخل كل طائفة . وتكمن النقطة الأساسيّة هنا في أنّ طبيعة العلاقات بين الطوائف في المجتمع الأندلسي كانت مُتقدّمة حتى بالمعايير الحاليّة التي يتعيّن ألّا نقيس عليها . إنّ النقطة الرئيسة هي أنّ طبيعة العلاقات بين أعضاء المجتمع الأندلسي لم تكن موجودة في البلدان المحاذية سواء في الممالك المسيحيّة في الشمال أو في المجتمع المغربي في الجنوب . إذ لم يكن أيّ منها قد طور ذلك النمط من الانسجام الثقافي والاجتماعي الذي طبع الأندلس بطابعه . كانت هناك أقليّات غير مسلمة ، خصوصا " من اليهود ، تعيش في المغرب ، إلّا أنّ وضعها كان مختلفا " كلّيا " عما كانت عليه في الأندلس ، إذ كان التقدّم الثقافي الذي وصلَت إليه لا مثيل له في المغرب ، وهو لم يبدأ بالتطور إلا بعد سقوط الأندلس وهجرة الأندلسيّين إلى المدن المغربيّة . لقد كان للرقي الثقافي الأندلسي تأثير كبير على طبيعة العلاقات بين المسلمين الأندلسيّين